عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
171
اللباب في علوم الكتاب
كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين للإسلام مسارعين إلى قبوله ، فقالوا : ولو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين ، وأن نعترف لهم بالتّبعيّة ، فكأن ذلك يشقّ عليهم ، ونظيره : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ ص : 8 ] ، لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [ الأحقاف : 11 ] . وأمّا فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفّار في الرّاحات والمسّرات والطّيبات والخصب والسّعة ، فكانوا يقولون : كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفّار مع أنّا بقينا في [ هذه ] « 1 » الشدّة والضّيق ، فقال تعالى : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ فأحد الفريقين يرى الآخر مقدما [ عليه ] « 2 » في المناصب الدينية « 3 » ، ويقولون : أهذا الذي فضّله اللّه علينا ؟ وأمّا المحققون فهم الذين يعلمون أن كلّ ما فعله اللّه - تعالى - فهو حقّ وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه ، إمّا بحكم الملكية كما هو قول أهل السّنّة « 4 » ، وإمّا بحسب المصلحة كما هو قول المعتزلة « 5 » فكانوا صابرين في وقت البلاء ، شاكرين في وقت الآلاء والنّعماء وهم الذين قال اللّه في حقّهم : « أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ » . فصل روى أبو سعيد الخدريّ قال : جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين ، وإن بعضهم ليستتر من بعض من العري ، وقارىء يقرأ علينا ، إذ جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقام علينا فلما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سكت القارئ ، فسلّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : ما كنتم تصنعون ؟ قلنا : يا رسول اللّه : كان قارىء يقرأ وكنّا نستمع إلى كتاب اللّه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الحمد للّه الذي جعل من أمّتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم » ، قال : ثمّ جلس وسطنا ليعدل بنفسه فينا ، ثم قال بيده هكذا فتحلّقوا ، وبرزت وجوههم له قال : فما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عرف منهم أحدا غيري . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنّور التّام يوم القيامة تدخلون الجنّة قبل الأغنياء بنصف يوم ، وذلك مقدار خمسمائة سنة » « 6 » .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : الدنيوية . ( 4 ) ينظر : الرازي 12 / 196 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق . ( 6 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 96063 . وأبو داود في السنن 2 / 347 كتاب العلم : باب القصص الحديث ( 3666 ) قوله : « فقام علينا » أي وقف على رؤوسنا أي كنا غافلين عن مجيئه فنظرنا فإذا هو قائم فوق رؤوسنا يستمع إلى كتاب اللّه . وقوله : « ثم قال بيده » أي أشار بيده و « صعاليك المهاجرين » أي جماعة الفقراء من المهاجرين جمع صعلوك .